تهامة المنسية في كل العهود.. من ينفض غبارها؟

7 يناير 2020
تهامة المنسية في كل العهود.. من ينفض غبارها؟
أبو زين
أبو زين
عدن نيوز - كتابات:

” تهامة.. بساطة الحب حين يمتد كثيفا كالرمل، مبذولا لكل العابرين، منسكباً كقلب عاشق قرَويّ لم يعرف حواجز “البرستيج” و تضاريس الارتياب” كما يصفها أحد الشعراء متغزلاً بها، تعد أهم منطقة يمنية تعرضت للخذلان والنسيان، وفي جميع العهود ومن قبل مختلف النظم السياسية، البائدة أو الراهنة.

تهامة الممتدة من المخا حتى ميدي ظلت رهناً لسياسات التهميش والإقصاء، وعومل أهلها منذ عهد الإمامة حتى اليوم وكأنهم مواطنون من الدرجة الثانية، إذ حجبت عنهم المناصب وامتنعت عنهم التعيينات الحكومية ولم يعرفوا من سلطة اليمن أو ثروتها إلا حضور موائد الساسة المتخمين بالفساد والبلطجة.

ذلك أن الدولة بمفهومها النظامي وسلطاتها لا تغادر هواجس المواطن التهامي ولا تخرج من حساباته فلا يحيد عن قوانينها في كل ما يقوم به، وهو ما عده أولئك المتسلحون بالخوف والبلطجة ضعفاً.

الإقصاء الذي ابتدأ منذ عهد الإمام يحيى حميد الدين، الذي أخمد ثورة الزرانيق (وهم أهل تهامة من أصحاب القامات الفارعة والقدرات الجسمانية العالية)، ومروراً بعهد نظام علي صالح الساقط، استمر وتجذر في عهد الدولة اليمنية الاتحادية بقيادة الرئيس عبدريه منصور هادي.

هل عقمت تهامة من القادة أو من الرجال الأفذاذ حتى تأتي الإمارات بالغر المتحوث سابقا طارق عفاش كي يكون وصياً عليها وعلى أبنائها؟ أي تساهل هذا وأي استهتار؟!

لقد أحسن أبناء تهامة الظن بالرئيس هادي، وظنوا أنه بشير الخير الذي سينتشلهم من مظلمتهم التاريخية ويعيد لهم جزءاً من حقوقهم المستلبة ويرد لهم نزراً يسيراً من أفضالهم التي لا تحصى على الثورة والجمهورية والدولة، لكن حصيلة عامين قبل الانقلاب وخمسة بعده أثبتت بلا شك أن تهامة ليست حاضرة على الإطلاق نطاق اهتمامات دائرة صنع القرار، وتحديداً مؤسسة الرئاسة.

هذا الخذلان الكبير وهذه الجناية التاريخية غير قابلة للمضغ أو الفهم بالنسبة للمواطن التهامي الذي اتخذ من التعايش والسلام والوطنية الخالصة للوطن منهاجاً منذ المهد.
وبجردة حساب بسيطة فإن لدى حكومتنا الشرعية أكثر من 200 دبلوماسي (سفراء وقنصليين ومندوبين في المنظمات الأممية) ولا يوجد بينهم أي دبلوماسي من أبناء تهامة. تخيلوا فداحة أن تصدر قرارات تعيين لمئات الدبلوماسيين ولا نجد بينهم أحد أبناء هذا الإقليم الذي يعد “سلة الغذاء” لليمن.

أما عن حضور التهاميين في قوام الحكومة الشرعية فحدث ولا حرج.. حتى إنه حينما حدثت معجزة وحاز ابن تهامة العزي شريم على حقيبة في الحكومة كوزير للمياه، استكثر المأزومون المنتشرون بكثرة حول بلاط الرئيس أن يكون لأبناء تهامة وزارة، فأصدر رئيس جوقة المأزومين، معين عبدالملك، قراراً بتوقيف الوزير شريم، ليخرج أقليم تهامة كلياً من دائرة التمثيل السياسي في حكومة سيئ الصيت معين.
ومع الأهمية الكبرى التي تمثلها تهامة لليمن باعتبارها سلته الغذائية فإن تهامة تعرضت لتهميش مهول، إذ يبرز هذا التهميش بشكل صارخ مع حقيقة وجود دبلوماسي واحد من تهامة هو الدكتور حسن الحرد (سفير بلادنا في ليبيا) ضمن فريق الدبلوماسيين اليمنيين، وهذا لا يتناسب مع حجم محافظة الحديدة سكانا ومساحة وكفاءة، الأمر الذي ينسف تماماُ فكرة “المواطنة المتساوية” والعدل في توزيع الثروة والسلطة.

هذا التمييز الذي تقوم به الدولة يضاف لقائمة طويلة من المآخذ والاختلالات المريعة فيها كالفساد المستشري بشكل فج وعلى كافة المستويات – أفقياً وعمودياً – وكذا المحسوبية ومراعاة أهل الحظوة والأقارب أو أصحاب رؤوس المال والأعمال على حساب المواطنة المتساوية والتي توجب معها توزيع المناصب والتعيينات بالعدل وبحسب الكفاءة لا بحسب القرابة أو بقوة السلاح.

ومن نافل القول أن الحكومة والدولة الناشئة بعد الانقلاب تحسست حولها فاختارت الأكثر فساداً والأقل خبرة والأدنى وطنية وبوأتهم أعلى المناصب في الدولة المحررة، على حساب تهامة التي ظلت – وفي كل العهود – مكتنزة لكل قيم الإخلاص للجمهورية وللدولة.

ولأن ثقافة “الفيد” وكذا تسييس الوظيفة العامة بات نهجاً سائداً لدى صانعي القرار، فقد تم التنكر لتاريخ تهامة الناصع ورجالاتها السامقة مجداً ووطنية. ولا أبالغ إن قلت إن رجالات تهامة على مدى التاريخ كانوا خيرة رجالات اليمن، كالشيخ المهيب أحمد فتيني، الذي أعلن ثورة الزرانيق على الإمام يحيى في 1929م، أو المناضل الجمهوري الخالد ذكراً وقدراً ومنزلة، يوسف الشحاري، أو بيت النضال التهامي العريق (بيت الشيخ يحيى منصر) وأسرة الهبل.

وهي تهامة التي تسامقت أيضاً في مدار العلم والفقه وصارت موئلاً لطالبي العلم الشرعي من جميع أقطار العالم. منها لاح نجم أسر دينية عريقة كآل الأهدل وآل الضحوي وبيت حسين ( كيحيى الحكمي وعثمان الحجري واحمد النساخ).

وهي التي توهجت بالأدباء الأفذاذ كالشاعر العزي مصوعي والشاعر فؤاد المحنبي والشاعر الناقد علوان مهدي الجيلاني، وهل ننسى الشاعر إبراهيم صادق صاحب أغنية (أنا يمني).

وهي أيضاً التي خرج منها أهم رجال المال والأعمال والتجارة، كآل صابونة وآل الحسيني وبيت بورجي وبيت سابحة وغيرهم الكثير.

ستظل المظلومة التاريخية التي تعرضت لها تهامة شاهداً صارخاً على مدى الخذلان والتجاهل من قبل الأنظمة السياسية المتعاقبة، وستظل تهامة كما يصفها شعراؤها “وليمة جائعة ومائدة للنسيان” في دوائر صنع القرار حتى إشعار آخر.

بقلم - أبو زين
 
نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام الموقع ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، ولتحليل حركة الزيارات لدينا.. المزيد
موافق